العيني
172
عمدة القاري
* إذا قالت حذام فصدقوها * فإن القول ما قالت حذام * وهذا الذي ذكرنا أحسن من الذي يقال : إن ذكر كلمة : هل ، ههنا ليس له محل ، لأن عادته إنما يذكر : هل ، إذا كان حكم الباب فيه خلاف ، وليس ههنا خلاف ، ولم أَرَ شارحاً هنا شفى العليل ولا أروى الغليل ، وقد فسر بعضهم باب : هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ؟ بقوله : أي : دون غيرها من قبور الأنبياء وأتباعهم ، قلت : هذا تفسير عجيب مستفاد من سوء التصرف ، لأن معناه ظاهر ، وهو جواز نبش قبور المشركين لأنه لا حرمة لهم فيستفاد منه عدم جواز نبش قبور غيرهم سواء كانت قبور الأنبياء أو قبور غيرهم من المسلمين لما فيه من الإهانة لهم ، فلا يجوز ذلك ، لأن حرمة المسلم لا تزول حياً وميتاً ، فإن كان هذا القائل اعتمد في هذا التفسير على حديث عائشة المذكور في الباب ، فليس فيه ذكر النبش وهو ظاهر ، وانما فيه أنهم إذا مات فيهم رجل صالح يبنون على قبره مسجداً ويصورون فيه تصاوير ، ولا يلزم من ذلك النبش ، لأن بناء المسجد على القبر من غير نبش متصور . قوله : ( ويتخذ مكانها مساجد ) عطف على قوله : ( تنبش ) و : ( مكانها ) منصوب على الظرفية . و : ( مساجد ) ، مرفوع لأنه مفعول ناب عن الفاعل ، وهذا الوجه إذا جعل الإتخاذ متعدياً إلى مفعول واحد ، وأما إذا جعل متعدياً إلى مفعولين على ما هو الأصل ، لأنه من أفعال التصيير كما في قوله تعالى : * ( واتخذ ا إبراهيم خليلاً ) * ( النساء : 521 ) فيكون أحد المفعولين : مكانها ، فحينئذٍ يرفع على أنه مفعول به قام مقام الفاعل ، بخلاف الوجه الأول فإنه فيه منصوب على الظرفية ، كما ذكرنا ، والمفعول الثاني هو : مساجد بالنصب . فإنهم . فإن الكرماني ذكر فيه ما لا يخلو عن نظر وتأمل . لَقْولِ النبيِّ : ( لَعَنَ ا اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أْنبِيَائِهمْ مَسَاجِدَ ) هذا تعليل قوله : ( ويتخذ مكانها مساجد ) ، خاصة لأن الترجمة شيئان والتعليل للشق الثاني . وجه الاستدلال به أن اليهود لما خصوا باللعنة باتخاذهم قبور الأنبياء مساجد علم جواز اتخاذ قبور غيرهم ومن هم في حكمهم من المسلمين . فإن قلت : أليس في اتخاذ قبور المشركين مساجد تعظيم لهم ؟ قلت : لا يستلزم ذلك ، لأنه إذا نبشت قبورهم ورميت عظامهم تصير الأرض طاهرة ، منهم ، والأرض كلها مسجد ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ) وهذا الحديث أخرجه البخاري في آخر كتاب الجنائز في باب ما جاء في قبر النبي ، حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا أبو عوانة عن هلال عن عروة : ( عن عائشة ، رضي ا تعالى عنها ، قالت : قال رسول الله في مرضه الذي لم يقم منه : لعن ا اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) ، الحديث . وأخرجه أيضاً في مواضع أخر في الجنائز ، وفي المغازي أيضاً عن الصلت بن محمد . وأخرجه مسلم في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد . ومَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلاَةِ فِي القُبُورِ هذا عطف على قوله : ( هل تنبش ) ، لا يقال : إن هذه جملة خبرية وقوله : هل تنبش ، طلبية ، فكيف يصح عطفها عليها ؟ لأنا نقول : قد ذكرنا أن : هل استفهام تقريري ، وهو في حكم الجملة الخبرية الثبوتية مثلها ، وقوله هذا يتناول ما إذا صلى على القبر أو إليه أو بينهما ، وفيه حديث أبي مرثد ، واسمه كناز بن الحصين . وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي : بلفظ : ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها ) ، وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول ا : ( الأرض كلها مسجد إلاَّ المقبرة والحمام ) . وَرَأى عُمَرُ أنَسَ بنَ مالِكٍ يُصَلِّي عِنْدَ قَبْر فقال القَبْرَ القَبْرَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالإِعادَةِ . هذا التعليق رواه وكيع بن الجراح في مصنفه فيما حكاه ابن حزم عن سفيان بن سعيد عن حميد ( عن أنس قال : رآني عمر ، رضي ا تعالى عنه ، أصلي إلى قبر ، فنهاني ، فقال : القبر أمامك ) . قال : وعن معمر عن ثابت ( عن أنس قال : رآني عمر أصلي عند قبر فقال لي : القبر ، لا تصلي إليه . قال ثابت : فكان أنس يأخذ بيدي إذا أراد أن يصلي فيتنحى عن القبور ) . ورواه أبو نعيم شيخ البخاري عن حريث بن السائب ، قال : سمعت الحسن يقول : ( بينا أنس ، رضي ا تعالى عنه ، يصلي إلى قبر فناداه عمر : القبر القبر ، وظن أنه يعني القمر ، فلما رأى أنه يعني القبر تقدم وصلى وجاز القبر ) . قوله : ( القبر القبر ) ، منصوب على التحذير ، يجب حذف عامله وهو : إتق ، أو اجتنب . وفي بعض الرواية بهمزة الاستفهام . أي : أتصلي عند القبر ؟ قوله : ( ولم يأمره بالإعادة )